زكي مبارك

78

عبقرية الشريف الرضي

كأنما تضرب في الع‍ * ‍رض الأعز بالقدم ( 1 ) مذكورة ما بقيت * من غير عقد لرتم ( 2 ) ترى على عاري العظا * م وسمها وهي رمم فلو نزعت الجلد كان * رقمها كما رقم كم جرّدت شفارها * لحم فتى بلا وضم خابطة لا تتقي * صدم أخ ولا ابن عم . . . أيها السادة : قد أشرت كما ترون إلى نحو عشرين موضعا زهي فيها الشريف بشعره واختال ، وقد حدثتكم أن تلك المواضع نيّفت على الستين ، والآن أحب أن نفهم معا كيف صح ذلك الزهو وذلك الاختيال : كان يكفي أن نسجل هذه الظاهرة النفسية ، وأن نقول إنه سلك طريقا سار فيه كثير من الشعراء ، ولكني رأيت بعد التأمل والدرس أن هذه الظاهرة النفسية تجرّ وراءها أشياء ، وأكاد أجزم بأنها تدل دلالة على أن الرجل كان يحس أنه يحيا في عصره حياة المغبون ، وأنه كان على أهل زمانه من الحاقدين . ولكن كيف يصح هذا الافتراض ها كم البينات : كان الشريف يعيش في عصر احتله الأموات واحتله الأحياء . أما الأموات الذين احتلوا عصره فهم البحتري وأبو تمام والمتنبي ، وقد شاء النقاد أن يمكَّنوا أولئك الأموات من ذلك الاحتلال ، وأظهر شاهد على ذلك ما صنع أبو العلاء المعرّي الذي عاش دهره كله وهو يحقد على

--> ( 1 ) القدم : جمع قدوم . ( 2 ) الرتم : خيط يعقد في الإصبع للتذكير .